أبحاث ضخمة ساحرة

أكبر مركز لتسريع الجزيئات في ألمانيا: DESY في هامبورغ
أكبر مركز لتسريع الجزيئات في ألمانيا: DESY في هامبورغ Daniel Bockwoldt/dpa
تتيح ألمانيا بنية تحتية متميزة للباحثين وللأبحاث التي تتطلب تجهيزات ضخمة، من الحواسب العالية الاستطاعة إلى مسرعات الجزيئات. علاوة على ذلك ينشط قطاع البحث العلمي الألماني في العديد من مشروعات البحث العلمي الكبيرة على المستوى العالمي.

تلعب أبحاث التجهيزات الكبيرة دورا مهما في قطاع العلوم الألماني. وهذا ينطبق أيضا على الأبحاث العلمية الأساسية وعلى الاستفادة من المعارف ونتائج الأبحاث عبر مختلف الإبداعات. تجهيزات في غاية التعقيد، مثل الحواسيب العالية الاستطاعة أو مسرع الجزيئات ضرورية جدا للأبحاث المتعلقة بالبنى الدقيقة للمواد، وكذلك تلك المتعلقة بإيجاد الحلول لمسائل عالمية مثل موضوعات المناخ والبيئة والطاقة البديلة. في ألمانيا تقوم أكبر منظمة علمية في البلاد، وهي مؤسسة هيلمهولتس الحكومية بالإشراف على مؤسسات البحث العلمي الكبيرة.

انفتاح على العلماء من شتى أنحاء العالم

ترتبط مراكز هيلمهولتس بتعاون وثيق مع الجامعات ومؤسسات البحث العلمي غير الجامعية، مثل معاهد ماكس بلانك أو مؤسسة فراونهوفر أو مؤسسة لايبنيتس، وكذلك مع مؤسسات القطاع الاقتصادي. ومن الأمثلة الرائعة على مثل هذا التعاون تجهيزات التجارب فيندشتاين 7-X لأبحاث الاندماج النووي، والتي يقوم بإدارتها والإشراف عليها معهد ماكس بلانك لفيزياء البلاسما بالتعاون مع مجموعة هيلمهولتس. علماء وحملة الدكتوراه، أيضا من خارج ألمانيا، يمكنهم التسجيل لحجز أماكنهم من أجل المشاركة في الأبحاث والاستفادة من التجهيزات الفريدة من نوعها في العالم، المتواجدة في مراكز أبحاث هيلمهولتس. لا تنحصر مساهمة التجهيزات الضخمة في الأبحاث الأساسية والأبحاث التطبيقية فقط، وإنما تفيد أيضا في التبادل العلمي. أكثر من 7000 عالم وباحث زائر من خارج البلاد يأتون كل عام إلى مراكز هيلمهولتس.

تختلف منشآت مجموعة هيلمهولتس وتتنوع، باختلاف مجالات البحث العلمي التي تتوزع بين ستة حقول أساسية. فعلى صعيد الأرض والبيئة يوجد أسطول الأبحاث الألماني، الذي يضم سفينة الأبحاث "زونة" (الشمس). الموضوعات التي يتناولها الباحثون والباحثات على متن هذا المختبر العائم تدور بشكل رئيسي حول تحولات المناخ وحماية الأنظمة البيئية والطبيعية للبحار. ومن خلال محطات قياس ووحدات مخبرية، مثل المحطة القطبية نويماير 3 في القطب الجنوبي ووحدة أبحاث البنية التحتية لعلوم الأرض (MESI) في مركز الأبحاث الجغرافية الألماني (GFZ) في بوتسدام تتم بشكل رئيسي دراسة تعقيدات وترابطات نظام الأرض. حيث يسعى الباحثون إلى فهم التغيرات المناخية والجيولوجية بشكل أفضل ويعملون على تطوير أفكار من أجل مزيد من الحماية من الزلازل وأعاصير تسونامي.

الكون الكبير والعالم الصغير

في مجال الأبحاث الضخم المتعلق بالطيران والفضاء والنقل يمسك المركز الألماني للطيران والفضاء (DLR) في كولونيا والذي يضم 33 مؤسسة بزمام المبادرة. وقد شارك DLR بجزء كبير من مهمة "روزيتا" لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA). حيث كان مسؤولا عن بناء وحدة الهبوط فيلاي وعن مركز المراقبة والتحكم، الذي راقب في 2014 أول هبوط على أحد المذنبات في التاريخ. ومن بين العديد من البنى التحتية لمركز DLR أيضا نفق الرياح المستخدم لاختبارات موديلات الطائرات تحت ظروف مشابهة تماما للظروف الواقعية، وكذلك طائرة الاختبارات HALO، التي تساهم في أبحاث الغلاف الجوي.

دراسة وبحث تنوع العالم الدقيق يقوم بها في المقابل الباحثون في مركز سينكروترون الإلكترونات الألماني (DESY) في هامبورغ، والذي يعتبر من أوائل العناوين العالمية في مجال أبحاث تسريع الجزيئات. مع أجهزة DESY الضخمة يتم بحث تفاعلات أصغر العناصر والجزيئات، أو سلوك المواد الدقيقة "نانو". جهاز تسريع الجزيئات الكبير PETRA III في مجمع DESY يعتبر أقوى حلقة لتخزين مصدر الأشعة السينية في العالم. واعتبارا من 2017 سيقوم ليزر الأشعة السينية XFEL بتوليد أكثر الإشعاعات السينية كثافة في التاريخ.

محاكاة الأبحاث العالية الاستطاعة تعتبر في غاية الأهمية للكثير من مشروعات المعرفة والاستكشاف. أحد أجهزة الكومبيوتر الذي أتاح تجاوز الحدود هو JUQUEEN في مركز أبحاث يوليش. أول كومبيوتر خارق في أوروبا يتمتع بطاقة حاسوبية تصل إلى 5,9 بيتافلوب، وهو ما يعادل 6 بليون عملية حسابية في الثانية تقريبا. ويتم استخدامه على سبيل المثال في الأبحاث المتعلقة بالعقل البشري. المشروع الطموح للاتحاد الأوروبي يسعى إلى جمع كافة المعارف المتوفرة حول العقل البشري وتقليدها باستخدام المحاكاة القائمة على الكومبيوتر. موقع هذا الكومبيوتر هو مركز الأبحاث الحكومي في يوليش، وهو في ذات الوقت موقع ألماني متميز للأبحاث الأساسية وواحد من أكبر مراكز الأبحاث في أوروبا. وهو يضم حوالي 5800 موظف وباحث، يعملون في مجالات الفيزياء والمعلوماتية والأبحاث المتعددة التخصصات وأيضا تلك المتعلقة بالصحة "المعلومات والعقل" وكذلك "الطاقة والبيئة".

آفاق عالمية

على المستوى الدولي تشارك ألمانيا في العديد من مشروعات الأبحاث الكبيرة. حيث تتحمل الدولة ما يقرب من 20% من موازنة المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN) في جنيف بسويسرا، وهي بذلك أكبر ممول للمنظمة. وفي منظمة CERN يوجد جهاز تسريع الجزيئات الذي يصل طوله إلى 27 كيلومترا. أكثر من 1000 باحث من ألمانيا يشاركون في أبحاث وتجارب منظمة CERN.

كما تشارك ألمانيا أيضا وبشكل أساسي وفعال في منشأتي الأبحاث الضخمتين في غرونوبل ILL (معهد لاونة أنجيفين) مع مفاعله السريع، وفي مؤسسة الإشعاع السنكروتروني الأوروبي (ERSF). ويعتبر ILL أفضل وأبرز مركز لأبحاث النيوترون في العالم. كما يعتبر ERSF أقوى محطة لإرسال أشعة إكس في العالم.

يعتبر المرصد الأوروبي "زود شتيرن" (ESO) المؤسسة الأوروبية الرائدة في الأبحاث الفلكية، وتشارك فيه ألمانيا إلى جانب 15 دولة أخرى. وتتواجد تلسكوبات ESO في ثلاثة مواقع في صحراء أتاكاما في تشيلي. ومن هنا تتم دراسة أجسام بعيدة في الفضاء الكوني الخارجي.

بالإضافة إلى ذلك تعتبر ألمانيا شريكا أوروبيا أساسيا في المحطة الفضائية العالمية (ISS). كما أنها أكبر مساهم في تمويل برنامج ESA لتشغيل محطة ISS، حيث تصل مساهمتها إلى 40% من مجمل الموازنة، لتكون من المشاركين الأساسيين في الاستخدام العلمي للمحطة الفضائية. ويقوم مركز DLR بتنسيق المساهمات الألمانية على هذا الصعيد. وبصفتها عضو في ESA تشارك ألمانيا أيضا في برنامج إكسومارس. المهمة الأولى التي تعتبر ثمرة التعاون الأوروبي الروسي انطلقت في آذار/مارس 2016 وحملت قمرا صناعيا للأبحاث العلمية إلى المريخ. وفي 2018 سيتم وضع مسبار على سطح المريخ، وسيكون من ضمن مهماته البحث عن آثار للحياة على سطح ذلك الكوكب.

نظرة نحو الأمام

في نهاية 2016 سيبدأ العمل في الأردن في مركز الأبحاث المتعدد الأطراف "ضوء السنكروترون للتجارب والتطبيقات العلمية في الشرق الأوسط" (SESAME). وبمساعدة مصدر ضوء السنكروترون من الجيل الثالث سوف يكون ممكنا الكشف عن تفاصيل ذرية جديدة واستكشاف البنى غير المرئية. وقد شكلت حلقة تخزين إلكترونات قدمتها ألمانيا مجانا في العام 2007 حجر الأساس لبناء هذه المنشأة التي قامت على مبادرة من منظمة اليونيسكو.

منذ 2009 يتم في هامبورغ بناء ليزر الإلكترونات الحرة الأوروبي XFEL، الذي سيدخل الخدمة في 2017. ومن خلال ومضاته الليزرية القصيرة جدا ضمن مجال الأشعة السينية سوف يتيح المشروع للعلماء من شتى أنحاء العالم إمكانات فريدة للبحث العلمي. بمساعدة ومضات أشعة إكس سيكون مثلا بالإمكان فك رموز البنى الذرية للفيروسات والخلايا، إضافة إلى التوصل إلى صور ثلاثية الأبعاد في عالم الأجسام الدقيقة. وتعتبر ألمانيا أكبر مساهم في هذا المشروع الدولي وتشرف على بناء وسير عمل المنشأة والتجهيزات.

يتم حاليا في مدينة دارمشتات بناء مركز التسريع الدولي FAIR، الذي سيدخل الخدمة في 2022. وهو واحد من أكبر المشروعات في العالم التي تقوم بالأبحاث الأساسية في مجال الفيزياء، وتشارك فيه عشر دول. بمساعدة إشعاعات عالية الكثافة مضادة للبروتونات والأيونات سوف يكون بالإمكان البحث بشكل أفضل في مجالات بناء وتشكل المادة ونشوء الكون، وهو يستوعب ما يصل إلى 3000 عالم تقريبا، من شتى بلدان العالم.