أساليب معيشة متعددة

تتمتع الأسرة بقيمة كبيرة، واليوم يستفيد العديد من الآباء من فترة إجازة الوالدين
تتمتع الأسرة بقيمة كبيرة، واليوم يستفيد العديد من الآباء من فترة إجازة الوالدين Sean Gallup/Getty Images
أشكال جديدة من العيش المشترك تنتشر وتؤثر في المجتمع الألماني. التوفيق بين العمل والأسرة يحظى بدعم مباشر.
picture alliance/Christian Ohde

حتى في عالم القرن الواحد والعشرين الذي يغلب عليه التفرد والشخصية وسهولة التواصل والتنقل، تحتفظ الأسرة بأهميتها وبدورها المركزي في المجتمع. ومازالت الأسرة تشكل بالنسبة لحوالي 90% من الألمان المؤسسة الاجتماعية الأهم والجهة الأكثر تأثيرا. في ذات الوقت تتغير التصورات حول الشكل التقليدي لهذه الأسرة. نصف الناس في ألمانيا فقط يعيشون اليوم ضمن الأسرة. ورغم تراجع أشكال الأسرة التقليدية فقد وصل عدد الأزواج الذين لديهم أطفال قاصرين في عام 2014 إلى معدل 69%، وبالتالي كان هذا الشكل من الأسرة هو الأكثر تواجدا من بين الأشكال المختلفة. وتتناقص أعداد عقود الزواج بشكل مستمر، وقد وصل عددها في العام 2013 إلى حوالي 373000. إلا أن ثلث الزيجات تنتهي بالطلاق. وقد بلغ متوسط استمرار حالات الزواج التي انتهت بالطلاق في 2013 إلى حوالي 14 عام وثمانية أشهر. أما عدد حالات الزواج بين الألمان والأجانب، فقد وصل إلى 44000 حالة.

في المقابل يزداد باستمرار عدد الأسر التي لديها أطفال بدون زواج قانوني (حالات المساكنة). بين 1996 و2013 تضاعفت نسبتها في المجتمع ووصل عددها إلى 8,1 مليون أسرة، واليوم يعتبر 10% من الأسر التي لديها أولاد هي أسر بدون زواج، أي بالمساكنة. الأسرة ذات المربي الوحيد، (الأم أو الأب فقط) هي النوع الأكثر تزايدا من أشكال الأسر المختلفة. وتشكل حالات أسرة المربي الوحيد اليوم خُمس عدد الأسر التي لديها أطفال في ألمانيا: تسعة من كل عشرة من أسر المربي الوحيد البالغ عددها 1,64 مليون، هي أسر مؤلفة من الأم والأولاد. وتعتبر أسر المربي الوحيد هي الأكثر خطرا للتعرض للفقر والفاقة، إلى درجة أن حوالي 40% منها تحصل على معونات اجتماعية من الدولة.

ومن أشكال الأسر التي تشهد تزايدا مستمرا هي أسرة الشراكة بين شخصين من جنس واحد، من المثليين. ففي عام 2013 كان يعيش في ألمانيا 78000 زوجا من المثليين معا، وذلك بزيادة تصل إلى الثلث مقارنة بما كان عليه العدد قبل عشر سنوات. ويعيش حوالي 35000 منهم ضمن شراكة مسجلة رسميا، بموجب القرار الصادر عام 2001 والذي يتيح تسجيل العلاقة بين المثليين رسميا ويضمن حقوقهم المتبادلة المترتبة على ذلك.

في ذات الوقت تبرز من جانب آخر أساليب جديدة في الحياة المشتركة، حيث تزداد أعداد الأشخاص الذين يعيشون وحيدين، ويشكلون أسرة مؤلفة من شخص واحد. 41% من الأسر الألمانية هي عبارة عن أسر من شخص واحد، أي أن حوالي 16,5 مليون إنسان يعيشون وحيدين. هذا التطور هو من ناحية نتيجة للتحول الديمغرافي، الذي يزداد من خلاله عدد المسنين الذين يعيشون وحيدين، ومن ناحية أخرى لأن المزيد من الشباب يفضلون العيش وحيدين.

ويطال التغيير أيضا البنى الداخلية ضمن الأسرة. فالعلاقات بين الأجيال المختلفة، بين الآباء والأبناء تتميز غالبا بأنها جيدة، ولا تشوبها أساليب التربية الأبوية الصارمة المبالغ فيها، وإنما تسودها أجواء الحوار والمشاركة والدعم والمساعدة والتشجيع والاستقلالية. وقد ارتفعت نسبة الأمهات العاملات إلى 66% (في 2006: 61%). أكثر من 70% من النساء العاملات لديهن أولاد، ويعملن على بدوام جزئي، وخاصة أمهات الأطفال الصغار دون سن المدرسة، بينما تصل هذه النسبة بين الآباء العاملين إلى 5% فقط. في 2014 كانت نسبة النساء العاملات في ألمانيا عند مستوى 73,1%، وهي ثاني أعلى نسبة في الاتحاد الأوروبي، وتزيد بشكل واضح على المتوسط (62,3%). قواعد فترة رعاية الوالدين التي تم اعتمادها في 2007 ساهمت كثيرا في إمكانيات الجمع بين تأسيس الأسرة والتطور المهني. وهي تشكل أحد العروض العديدة التي تساهم في دعم الوالدين وتقود إلى مجتمع صديق للأسرة. حيث تسمح فترة إجازة الوالدين لهما بالتوقف عن العمل لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، يحصل خلالها الوالدان على التعويض العائلي (تعويض الوالدين) لمدة 14 شهرا، بما يعادل 67% من الدخل الصافي الأخير، على أن لا يقل عن 300 يورو ولا يزيد عن 1800 يورو، من أجل ضمان مستوى معقول من المعيشة.

75% من الألمان يجدون في تعويض الوالدين قاعدة جيدة، ويستفيد منها جميع الوالدين تقريبا. علما بأن أربعة أخماس الآباء يستفيدون من الحد الأدنى، وهو شهرين فقط. ومازالت الأمهات هن اللواتي يستفدن من هذه القوانين، ويأخذن فترات استراحة أطول بعد الولادة. مع تعويض الوالدين الإضافي الذي تم إقراره في عام 2015، فإن عودتهن المبكرة إلى العمل باتت أكثر إغراء. الوالدان اللذان يعملان بدوام جزئي، يحصلان على دعم مالي يمكن أن يصل إلى 28 شهرا.

منذ الأول من آب/أغسطس 2013 يتمتع الأطفال بعد إتمامهم السنة الأولى من العمر بحق الحصول على مكان في دور الرعاية أو الحضانة. واليوم يذهب ثلث هؤلاء الأطفال ممن لم يتجاوزوا ثلاث سنوات -في 2015 كان العدد 694000- إلى واحدة من 54000 دار حضانة ورعاية "كيتا" أو يحظون برعاية واحدة من 44000 مُرَبّية نَهاريّة. وقد تضاعف عدد أماكن الرعاية للأطفال دون سن 3 سنوات منذ عام 2006 حتى الآن أكثر من ثلاث مرات.

فترة رعاية الوالدين وتعويض الوالدين وتحسين شروط الرعاية في المراحل الأولى من عمر الأطفال، وخاصة الفترة ما قبل المدرسية، تُعتَبَر جميعها مساهمات فعالة لخلق وتطوير شروط المساواة بين الرجل والمرأة التي ينص عليها الدستور الألماني. وبينما لم تكتف المرأة باللحاق بالرجل في مجالات التعليم والتأهيل، وإنما تجاوزته في بعض المجالات (في 2014 كان 54,4% من الإناث من حملة الشهادة المدرسية العليا، وفي 2014/2015 كانت نسبة الإناث بين المبتدئين الجدد في الدراسة الجامعية 48,7%)، فإنه مازال يوجد في فارق بين الجنسين في مجالات الدخل وإمكانات التطور المهني والترقية: المرأة العاملة بدوام كامل تكسب وسطيا حوالي 78% مما يكسبه زميلها الرجل. كما أن مشاركة المرأة في المراكز الإدارية العليا مازالت محدودة جدا نسيبا. وحسب دراسة للمهد الألماني للأبحاث الاقتصادية (DIW)، فإنه من بين 877 عضو مجلس إدارة في 200 شركة رائدة كبرى في ألمانيا يوجد فقط 47 سيدة.

منذ 2015 يسري في القطاع الاقتصادي الخاص وفي القطاع الحكومي العام قانون يضمن المشاركة العادلة بالتساوي بين الرجل والمرأة في المناصب العليا والقيادية. ومن بين ما ينص عليه هذا القانون هو أن تكون حصة المرأة 30% من عضوية مجالس الإشراف على الشركات الألمانية المسجلة في سوق البورصة. بينما سيتوجب على 3500 شركة أن تضع أهدافا مستقبلية لها، تتمثل في رفع نسبة المشاركة النسائية في المناصب القيادية العليا. ومن الجدير بالذكر هنا، تطور نسبة مشاركة المرأة في البوندستاغ الألماني، التي تقع حاليا عند معدل 36,5%.

الاندماج كإحدى المهمات الاجتماعية الأساسية

تسعى الحكومة الألمانية الاتحادية إلى تحقيق تكافؤ الفرص حتى بالنسبة للمعوقين من ذوي الاحتياجات الخاصة. والهدف من هذا هو خلق مجتمع شامل متكامل، بمشاركة كافة أعضائه: في المدرسة وفي العمل وفي أوقات الفراغ. وهذا يتطلب بالضرورة حرية وإمكانية حركة بدون أية عوائق للجميع، داخل المباني وفي الطرقات التي يجب أيضا أن تكون مبنية ومؤهلة بشكل يناسب كافة الاحتياجات والإمكانات، مثل بناء سوق العمل على سبيل المثال. وقد كانت ألمانيا في العام 2007 واحدة من أوائل دول العالم التي وقعت على ميثاق الأمم المتحدة لحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة. وتقوم خطة عمل قومية بتنظيم تنفيذ بنود هذا الميثاق. ومما ينص عليه الميثاق: العمل بشكل مكثف على تأهيل أصحاب الإعاقات الكبيرة بشكل كاف من أجل تسهيل دخولهم إلى سوق العمل. وتتجاوز الحكومة الألمانية الاتحادية إطار خطة العمل من خلال إصدارها قانون حق المشاركة الاتحادي. دعم ذوي الاحتياجات الخاصة يجب أن يكون أكثر توجها نحو الاحتياجات والأوضاع الفردية والمعاشية لكل منهم.

مجموعة أخرى تحظى احتياجاتها وإمكاناتها بعناية خاصة من قبل الحكومة الألمانية الاتحادية، هي كبار السن. يوجد في ألمانيا 17 مليون إنسان تجاوزوا 65 عاما من العمر. خبراتهم الثمينة تشكل مكسبا كبيرا للمجتمع. وقد تغيرت أساليب معيشتهم أيضا وتعددت أشكالها، حيث يمكن القول أن المسنين اليوم باتوا أكثر حيوية ونشاطا من السابق. وفي العديد من الأحوال مازالوا ناشطين حتى في سوق العمل. ويقوم 450 بيت متعدد الأجيال بتأمين وتشجيع الحوار بين هؤلاء المسنين والأجيال الأصغر سنا، حيث تعتبر هذه البيوت مراكز الملتقى للأجيال المختلفة.

Related content