Skip to main content
البيئة والمناخ

الــريــادة فـي ســيــاســة الــمــنــاخ

تحتل ألمانيا موقعا متقدما على المستوى العالمي في مجالات حماية المناخ، وهي رائدة على صعيد التوسع في اعتماد مصادر الطاقة المتجددة.

Weltkugel in Händen
© Getty Images

يعتبر القرن الواحد والعشرين بِحَق "قرن البيئة". وهذا يعني: خلال العقود القادمة سوف يَتّضح شكل البيئة الحياتية والظروف الطبيعية التي سوف تعيشها الأجيال القادمة، ومدى التغيرات التي ستحصل. يشكل تحول المناخ الخطر الرئيسي في هذا السياق. تتزايد في مختلف أنحاء العالم الظواهر المناخية الشديدة، مثل موجات الجفاف والحرارة المرتفعة والعواصف والفيضانات. في صيف 2021 تعرضت مناطق غرب ألمانيا أيضا إلى كارثة فيضان كبيرة: قرى بأسرها غمرتها المياه، وذهب العديد من الضحايا. ولمناسبة انعقاد مؤتمر ظروف المناخ الشديدة حذرت دائرة الأرصاد الجوية الألمانية في أيلول/سبتمبر 2021 من أن ألمانيا قد شهدت منذ العام 2000 تسعا من بين أكثر عشر سنوات دفئا على الإطلاق، منذ عام 1881. مثل هذا التكرار الكبير للسنوات الدافئة بدرجات حرارتها القياسية لا يمكن تبريره إلا من خلال سلوك الإنسان الذي يتسبب في الاحتباس الحراري.  

تحظى حماية البيئة والمناخ في ألمانيا بأهمية كبيرة منذ زمن بعيد. حركة "أيام الجمعة من أجل المستقبل" العالمية، التي تحظى بدعم وتأييد حُماة المناخ الناشطين والناشطات من أبناء جيل الشباب بشكل رئيسي، أيقظت الوعي والإدراك لحماية أسس الحياة الطبيعية.

توليد الطاقة الكهربائية في ألمانيا خلال 2020 (نسبة مئوية من إجمالي توليد الطاقة الكهربائية)

المصدر: Destatis

التخلي عن الطاقة النووية وعن الفحم

مع التعديل البنيوي الذي يطلق عليه تسمية "تحول الطاقة" تتخلى ألمانيا عن مصادر الطاقة التقليدية والذرية. وقد قطعت خطوات كبيرة في الطريق نحو مستقبل الطاقة المستدامة. وهذا الأمر يتضمن أيضا التخلي التدريجي عن الطاقة النووية مع نهاية العام 2022. وقد كانت ألمانيا واحدة من البلدان القلائل التي أعلنت التزامها بالتخلي الكامل عن الطاقة النووية إلى جانب الطاقة المعتمدة على الفحم. حيث يعتبر هذا الأخير أحد أكبر مسببات انبعاثات غاز ثاني أكسيد الفحم CO2 الضار بالمناخ. وكان قد تم تنظيم هذه الخطوة قانونيا على أن تكون المهلة حتى 2038. إلا أن الحكومة التي تولت الحكم في البلاد اعتبارا من كانون الأول/ديسمبر 2021 من أحزاب SPD والخضر وFDP تأمل في تحقيق هذا التخلي الكامل بحلول العام 2030.

حكومة المستشار أولاف شولتس (حزب SPD) تسعى أيضا إلى التوسع الكبير في اعتماد مصادر الطاقة المتجددة، خلال عقد العشرينيات: حتى 2030 من المفترض أن يتم الاعتماد في توليد احتياجات ألمانيا من الطاقة الكهربائية بنسبة 80 في المائة على مصادر الطاقة المتجددة، مثل الرياح والشمس.

أهداف واضحة في قانون حماية المناخ الألماني

منذ 2016 كانت ألمانيا واحدة من أوائل الدول في "خطة حماية المناخ 2050" التي وضعت مبادئ وأهداف سياسة المناخ، كي تصل بحلول العام 2050 إلى الحيادية لجهة المناخ. ومع قانون وحزمة حماية المناخ التي تم إعلانها في 2019/2020 جعلت الحكومة الألمانية الاتحادية من مسألة حماية المناخ أمرا ملزما في كافة المجالات والقطاعات. ويتضمن القانون أهدافا محددة تتعلق بالتوفير وبحدود الانبعاثات في مجالات النقل والصناعة والأبنية والزراعة على سبيل المثال.

على خلفية قرار المحكمة الدستورية الاتحادية حددت الحكومة الاتحادية الحاكمة آنذاك من أحزاب CDU/CSU وSPD، في أيار/مايو 2021 مجددا أهدافا أكثر تشددا: الحيادية لجهة الغازات الدفيئة (العادمة) يجب أن تتحقق بحلول العام 2045. في الطريق إلى هذا الهدف تسعى ألمانيا إلى تخفيض انبعاثات الغازات الدفيئة بحلول العام 2030 بمعدل 65 في المائة على الأقل، مقارنة بالعام 1990. كما تتطلع إلى أن يصل التخفيض إلى88  في المائة بحلول العام 2040. وقد تحقق فعليا تخفيض بمعدل 40,8 في المائة حتى 2020.

أيضا ضمن الإطار العالمي تعمل الحكومة الألمانية الاتحادية بشكل حثيث على موضوعات حماية البيئة، والتعاون حول مسائل الطاقة والتنمية الصديقة للبيئة. وبما يتوافق مع بنود معاهدة باريس حول المناخ التي تعود إلى العام 2015، فإن ألمانيا تبذل الجهود من أجل الحفاظ على ارتفاع درجة حرارة الأرض دون معدل درجتين مئوية بشكل واضح، بل وتأمل في الوصول إلى 1,5 درجة فقط. في النصف الثاني من القرن الحالي كحد أقصى يُفتَرَض أن يتم الوصول إلى حيادية في الغازات العادمة، تكون شاملة لكافة مناطق العالم تقريبا. ومن أجل هذا لابد من تخفيض انبعاثات الغاز العادم، ثاني أكسيد الفحم في البلدان الصناعية بمعدل 80 إلى 95%. "الاستغناء الكامل عن غاز الفحم" يجب أن يتحقق خلال هذا القرن. سكرتارية الأمم المتحدة التي تراقب الالتزام بتطبيق إطار معاهدة المناخ تتخذ من مدينة بون الاتحادية مقرا لها.

تؤيد ألمانيا المفوضية الأوروبية في "الصفقة الأوروبية الخضراء". وهي تنص على أن يصبح الاتحاد الأوروبي حياديا لجهة المناخ بحلول عام 2050. ومن المفترض أن يصدر قانون أوروبي لحماية المناخ، ليجعل هذا الهدف ملزما للجميع. ومن أجل تحقيق هذا الهدف لابد من تخفيض واضح في انبعاثات غاز CO2 في مختلف الأنشطة الاقتصادية ذات العلاقة.

انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في ألمانيا

(بملايين الأطنان) المصدر: IEA

حماية البيئة كهدف للدولة

التوصل إلى بيئة سليمة، وهواء نظيف، ومياه نقية وطبيعة متنوعة، هو الشرط الأساسي لمستوى معيشة مرتفع. ومنذ عام 1994 تعتبر حماية البيئة هدفا سياسيا للدولة، حيث نص عليها الدستور الألماني. وفيما يتعلق بنوعية الهواء والمياه فإن المؤشرات تؤكد تحسنا ملحوظا في السنوات الأخيرة. انبعاث الغازات العادمة، مثل ثاني أكسيد الكبريت وأكاسيد النتروجين قد تراجعت بشكل كبير. ومن بين الأسباب وراء ذلك تحديد الانبعاثات المسموح بها للسيارات. إضافة إلى أن بعض المدن فرضت حظرا على حركة سيارات المازوت (الديزل) القديمة في مجمل مناطق المدينة أو في بعض الشوارع والأحياء. رغم ذلك مازال هذا التراجع غير كاف. ومن الملاحظ أيضا انخفاض متوسط استهلاك مياه الشرب للشخص الواحد من القيمة الأكبر 140 لترا إلى حوالي 120 لترا في اليوم.

إضافة إلى ذلك فإن ألمانيا تؤيد وتدعم مبادرة الاتحاد الأوروبي الساعية إلى الحد من تراجع التنوع الحياتي. ففي استراتيجيته المتعلقة بالتنوع البيولوجي حتى عام 2030 وضع الاتحاد الأوروبي معايير جديدة للصناعة والتجارة والزراعة. من المفترض أن تقود هذه المعايير والشروط إلى إيقاف التراجع الحاصل في التنوع البيولوجي وإيجاد أساس لاتفاقات ومعاهدات دولية بهذا الخصوص.

تتبع ألمانيا استراتيجية الجمع والتوفيق بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، ضمن إطار الاقتصاد المستدام. أما القواعد الأساسية لذلك فهي التوسع في اعتماد مصادر الطاقة المتجددة وزيادة فعالية استخدام الطاقة والموارد المختلفة، إضافة إلى الاستخدام الواعي للمواد الأولية المتجددة. إنها استراتيجية ذات منفعة مزدوجة. فهي تساعد من ناحية على تخفيف العبء عن البيئة والمناخ، بينما تسهم من ناحية أخرى في خلق مجالات استثمارية جديدة وتوفير فرص عمل إضافية.